محمد بن جرير الطبري
510
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقال رؤبة : وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الأَخْمَاسْ . . . وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ ( 1 ) يعني به اكتئابًا وكسوفًا . فإن قال قائل : فإن كان إبليس ، كما قلت ، " إفعيل " من الإبلاس ، فهلا صُرف وأجري ؟ قيل : تُرك إجراؤه استثقالا إذ كان اسمًا لا نظيرَ له من أسماء العرب ، فشبَّهته العرب - إذْ كان كذلك - بأسماء العجم التي لا تُجرَى . وقد قالوا : مررت بإسحاق ، فلم يُجروه . وهو من " أسحقه الله إسحاقًا " ، إذْ كان وَقَع مبتدَأ اسمًا لغير العرب ، ثم تسمت به العرب فجرى مَجراه - وهو من أسماء العجم - في الإعراب فلم يصرف . وكذلك " أيوب " ، إنما هو " فيعول " من " آب يؤبُ " . وتأويل قوله : " أبَى " ، يعني جل ثناؤه بذلك إبليس ، أنه امتنع من السجود لآدم فلم يسجد له . " واستكبر " ، يعني بذلك أنه تعظَّم وتكبَّر عن طاعة الله في السجود لآدم . وهذا ، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس ، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله ، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه ، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق . وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله ، والتذلل لطاعته ، والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم - اليهودُ الذين كانوا بين ظهرانيْ مُهَاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحبارُهم الذين كانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصِفته عارفين ، وبأنه لله رسولٌ عالمين . ثم استكبروا - مع علمهم بذلك - عن الإقرار بنبوّته ، والإذعان لطاعته ، بَغْيًا منهم له وحسدًا . فقرَّعهم الله بخبره عن إبليس
--> ( 1 ) ديوانه : 67 ، واللسان ( بلس ) ، ورواية ديوانه " وعرفت يوم الخميس " . وبين البيتين بيت آخر هو : " وَقَدْ نَزَتْ بَيْنَ التَّرَاقِي الأَنْفَاسْ "